أخر المواضيع عن الجن
Loading...

صمت الوحوش

صمت الوحوش

بقلم طه مبطول من المغرب

صمت الوحوش




أ بشر أنتم أم مخلوقات من عالم آخر؟ بالطبع أنتم من صنفنا على ما يبدو من ظاهركم، لكن داخلكم يخفي عظيم الأسرار. إن من ينظر إلى عيونكم قد يرى الهدوء و الملائكية أحيانا، لكن ما نسمعه عنكم لا ينم سوى عن الاضطراب و الشر. خلقتم علما قائما بذاته يفسر دوافعكم المنحرفة، لكن التناقض الغريب لا يزال قائما؛ بين انتمائكم لنا و عالمكم الضبابي الخاص، بما يحمله من بشاعة و دموية، لا يمكن أن تكون ذات أصل آدمي.
وصل بي المطاف إلى محطة أكتشف فيها عالما آخرا ضمن عالمنا، دفعتني ظروف عملي أن أدخل يوما إلى مصحة عقلية تحوي أكثر السفاحين وحشية، و كأنهم يتنافسون في ذلك، لإخماذ حر غرائزهم الشاذة. كل ما قد تحمله ذكرياتنا عنهم من خوف و قلق يندثر فجأة لحظة وقوفك أمام أعينهم وراء القضبان الصلبة. أخذت أبادلهم النظرات واحدا تلو الآخر و هم ساكنون دون حراك، أسألهم فيجيبون بصدق و ملامحهم لا تعرف التشنج أو الحركة مهما اتسمت كلماتي بالقوة، جعلنى ذلك أشعر بالفضول أكثر فأكثر، خصوصا و أن لهم أذواقا و أحلام يصعب على البعض التصديق بامتلاكهم لها، كيف ذلك و قد طبعت الوحشية على ملفاتهم الدامية.
استوقفني أكبرهم سنا و قد بدى عليه الوقار أكثر من غيره، وقفت أمام زنزانته فنهض بدوره و على وجهه ابتسامة خفيفة تكاد لا تلاحظ. طلب منى الجلوس و تعارفنا.
أشار أثناء حديثنا الذي دام طويلا إلى مشاهد أبشع من البشاعة عينها نحتت في ذاكرته الفتية عن ضحايا الحرب و أجسامهم العارية تمزق في الشوارع لتطعم الناجين من أسرهم. أخذ يسرد و يسرد و يصف بدقة كيف كان يختار ضحاياه و كيف كان يعمل على تمزيقهم، فشعرت بالدوار و أنا أتخيل تلك القذارة فطلبت منه أن يحدثني عن آخر جرائمه _و إن كنت قد قرأت ملفه من قبل_ محاولا تجنب الحديث عن تلك الوقائع المضجرة بالدم، فإذا به يلحظ قلقي و نفوري فطلب مني الرحيل على الفور و قد انتفخت أوداجه و احمر وجهه فجأة و بدأ يتمتم بكلام غير مفهوم، سمعت منه " إن القتلة المضطربين ليسوا مجانين، بل إنهم واعون تماما بأعمالهم" فهرعت إلى أقرب الحراس أطلب منه أن يدلني على المخرج. ركبت سيارتي بسرعة و رحت أفكر في كلماته الثقيلة و أرددها. ما زلت أرددها و أنا أكتب هذا المقال محاولا فهم عمق مشاعرهم و نزواتهم، و أن ما سمعته من تلك الزيارة لم يكن سوى نقطة في محيط لا حد له، ربما كانو ضحايا قبل أن يتحولوا إلى وحوش، بل ربما على محو ذكرى هذا اليوم إلى الأبد.
أخذ يحدثني عن طفولته فقال: كيف لا أكون مضطربا و قد كانت طفولتي أشد قسوة من تعذيب السجون و كم دامت سنوات الحروب في بلدي، بل فتحت عيني هاتين على إخوتي يذبحون لتلقى جثثهم في العراء فتأكلها الكلاب. لست ألوم أحدا اليوم على صنيعي بضحاياي و بالمجتمع فقد كان بإمكاني إنهاء القصة باختيار الموت، لكنني اخترت الحياة و النتيجة أمامك اليوم، فقد صنعت مني الحرب وحشا لا يعرف ما تسمونه أنتم الرحمة. هل أحدثك كيف اضطررت لأصبح قاتلا من أجل لقمة العيش و لم أتجاوز المراهقة بعد؟ أم عن أكلي للحم الجنود الذين كنت أصطادهم؟